مرة أخرى مقطع متميز من رواية للكاتب أحمد التوفيق “والد وما ولد”، وفي المقطع وصف دقيق وممتع لجانب من تعامل أمازيغ سوس والأطلس مع القرآن الكريم، وعنايتهم بحفظته ومتعلميه..
“.. حضر المعلم وتلاميذه وطلبته مرة أخرى، للوليمة في دار أحمد، قبيل مغرب الشمس، وامتلأت بهم القبة الكبرى، إذ لا يدعو جميعهم من أهل القرية إلا من له مثل ذلك الفضاء الفسيح المفروش. فبدأو بقراءة التفريق، ومعناها توزيع أجزاء المصحف بمجموعه، يقوم بذلك من يأمره المعلم، ويكون في حكم مقدمة الطلبة، في كل جزء مطبوع حزب أو حزبان. فإذا حضر ثلاثون قارئا ووزع عليهم ثلاثون جزءا، في كل جزء حزبان، كملت تلاوة “سلكة” من القرآن، أي تلاوته كاملا، وتكون القراءة جهرية، ولا أحد منهم تشوش عليه قراءة الآخر، بل تجدهم منغمسين في قراءاتهم، يقرأ بعضهم القراءة المجردة، وبعضهم يتعامل مع النص حسب إدراكه في القراءات، والقراءة مطلوبة في مثل هذا المقام للتبرك واستدراك الأجر على أهل دار العزيمة. وقد لا تكفي أجزاء المصحف فيكون تفريق الموجود على غير الحفاظ، وعلى أشباه الحفاظ، ويقرأ الآخرون مما في صدورهم، والنتيجة هي أن القرآن سيقرأ كله في ذلك المنزل مرة أو مرتين، ولا يستغرق الأمر أكثر من نصف ساعة.
.
.
بعد إكمال التلاوة على سبيل “التفريق”، يكون قد حان موعد صلاة المغرب، فيصلونها ثم توضع أمامهم القهوة بالحليب، ثم الحريرة المصنوعة على النمط الحضري بالقزبور والمعدنوس والطماطم واللحم وبهارات أخرى تعطيها لذة من حموضة غير زعوق، ولا تتوفر لمعظم الطلبة فرصة طعم هذا النوع إلا في مثل هذا البيت.
بعد تناول القهوة والحريرة يقرأ الطلبة الحزب الراتب، حزب ذلك المساء، بحسب اليوم من الشهر، لأن الحزب الراتب يقرأ في ثلاثين يوما من الشهر القمري، حزب بعد صلاة الفجر وحزب بعد صلاة المغرب.
بعد قراءة الحزب توضع صينية لتحضير الشاي، وفي حالة حضور مثل هذا العدد توضع صينيتان، لكن القيم واحد. ثم يبدأ الطلبة في قراءة ما يسمونه بالأنصاص، وهي أنظام فيها قواعد للقراءة، كما يعرجون على أنظام أخرى تتغنى بحياة طلبة القرآن وأيامهم في الطلب، وبغير ذلك من الأمور الصناعية التي لا محل لها في ذلك المقام إلا على أساس أن كل ما يتغنى به هؤلاء الحملة للقرآن طيب مبارك. وتكون قراءتهم لتلك الأنظام برفع العقيرة جماعة على لحن مؤثر مألوف تقشعرله الجلود في تلك البيئة التي لا يعرف فيها عموم الناس اللغة العربية، ولكنهم يستروحون بكل ما يمت للقرآن بصلة.
مع دوران كؤوس الشاي على الطلبة يطاف عليهم بحلاوى لا تجود أيامهم بمثلها ولا ترى إلا في المدن، لأنها تذوب في الفم كالسكر، وهي بطعمها العسلي وتشققها تحفة يحب الواحد منهم أن يخبئها إلى أن يمضي بها فيهديها أو يختلي بها لطرافتها وغرابتها شكلا ولونا ومذاقا.
بين دورة ودورة من إنشاد الأنظام ينقض مجموع تلك الأصوات على حين غفلة، وبمبادرة من مقدمهم، بإجهاز واحد على الشروع المفاجئ القوي في تلاوة آيات من القرآن على النمط الصوتي الشديد المسمى عند قراء جبال الأطلس وجهة سوس “بتاحزاتب”، وهي قراءة جماعية كثيفة سريعة بأصوات عالية مع انقطاعات آنية شديدة عند كل وقف، ومع إطالة المد في أماكنه، وكأن المقصود إحداث رعود وبروق ومبارزة ومباهاة وتحد يدور على الحفظ وإحسان ذلك النمط المحلي من القراءة، وكأن تأكيده بالعقيرة وإعلاء الصوت به يعوض عن كل ما بذل في باب تحصيله من الوقت والكد والعناء، وهنا أيضا يتعمد إظهار ضرب من فحولة ذلك السرب المنقطع المتزهد قسرا، نكاية في الزمان وفي العامة من الحاضرين.
يقال في تلك البيئة عمن أقام وليمة للقيم في المسجد وطلبته إنه “فعل الطلبة” (إسكر الطلبا). والمقصود استدرار خير كثير باستدعائهم وإطعامهم وإتاحة الفرصة لهم لقطع شظف عيشهم بلحظات فيها لذيذ الطعام وفرصة استعراض محفوظهم وعلامات تميزهم واعتدادهم بالانتساب إلى القرآن المقدس عند البربر الذين يسمعونه ويحفظونه، وإن كان جمهورهم لا يفهمونه، ولكن جهلهم بمعانيه اللغوية يجعل قدسيته لا تحدها حدود المعنى، فحتى الرماد الناجم عن نار تدفئة ماء الوضوء بالمسجد أو تدفئة قاعة الحفظ التي يوجد الموقد عادة وسطها، وتسمى “أخربيش”، حتى ما يعلق من هذا الرماد بملابس التلاميذ المترددين على الكتاب لحفظ القرآن، يكون شفيعا لهم ولأهلهم في دخول الجنة والعتق من النار.
كرّس البربر أعمارهم لحفظ القرآن الكريم وإتقان قراءته كجزء أصيل من ثقافتهم، وشطر من زمنهم، ومقوم من انتسابهم للإسلام وللكون من خلاله، لكلمات القرآن عندهم جرس خاص قد تلتقي بمعاني ألفاظ في لغتهم وهي لا تمت إليها في واقع الدلالة بصلة، فعبارة “أولى لك فأولى” في القرآن مثلا، تذكر الواحد منهم بالمزود الذي يحمل فيه الطعام المسمى أولك، إلى غير ذلك. ومع جهلهم باللغة العربية فإن القرآن جسر بينهم وبينها، وبحيث إن عددا من مبادئه الكبرى مهضومة في عقولهم عن طريق الوعاظ والمذكرين، ولا سيما بما يسمعون من الحافظين لأنظام تستعرض مختلف قصص الأنبياء منذ آدم، يتغنى به متجولون يطوفون بأبواب الدور، يخرج إليهم الطعام والصدقات لأن أشعارهم الدينية رائقة يتأثر الناس لسماعها، ومعظم هؤلاء المذكورين يأتون من جهة سوس..“






ayoub bouakhaden | 29 مارس، 2011 الساعة 01:46 #
salam o3alaykom
tilka riwaya bimatabat sirat tofola lilkatib – lwazir haliyan – hiya jid mochawika awalo riwaya karaktoha laho toma karaeto laho riwayatayni okhrayayn lakin tabka tilka sira -tofoliya- ahssanahom.
yomkin lisstifada ana linsan idatatakhara fi dokhoul ila dirassa layssa nihayat lilmostakbal. falkatibo dakhala ila lmadrassa fi 12 toma hahowa sara waziran ?
[تعقيب]
خالد مربو قام بالتعقيب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
النجاح مفهوم نسبي أخي أيوب.. لو أنه تفرغ للتأليف الأدبي لكان خيرا لنا وله غفر الله لنا وله.
[تعقيب]
حادين محمد | 8 أبريل، 2011 الساعة 03:20 #
السلا م
قد أرسلت الرسالة
شكرا
[تعقيب]
خالد مربو قام بالتعقيب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
لم تصلني أية رسالة
الرجاء التأكد
تحياتي
[تعقيب]
أبوسلمى الإلغي | 9 يونيو، 2011 الساعة 19:46 #
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعجبتني مقالتك ، وأثار عجبي نعتك لنا بالبربر وكأنك لست منا ، وكأنك لا تدري دلالات هذا المصطلح التاريخية والعنصرية والقدحية الكثيرة التي يأنف المسلم عن ترديدها.
أعجبني وصفك لحفاظ القرآن الكريم وطريقة قراءتهم للقرآن بشكل جماعي بالرعد والبرق، وأثار عجبي اتهامك لأغلبهم بأنهم يجهلون معانيه ، وكأنك لا تدري بأن أغلب العرب يجهلون معانيه ، وكأنك لست من الذين يجهلون كثيرا من معانيه..
أعجبني اختيارك لبعض المشاهد التي نعتبرها من قبيل العادي الطبيعي وتصويرها بشكل بديع ، واثار عجبي تحويلها إلى لوحة كاريكاتورية قد توحي بأن الكاتب يسخر منها ، وكأنك لا تدري بأن لكل امرئ من دهره ما تعود وعادة أهل سوس إكرام الضيف بألذ وأحلى ما يستطاب من القرى ، وكأنك لست من هذا القطر المضياف
أشكرك أخي خالد على كلماتك التي اثارت يراعي لينثر هذه البذور بعد قحط طويل
[تعقيب]
خالد مربو قام بالتعقيب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
سوء تفاهم كبير وقعت فيه أخي الكريم فانطلقت تنتقد في أسلوب تهكمي ساخر سامحك الله، لو أنك قرأت المقدمة لعرفت أنني إنما اقتبست من رواية “والد وما ولد” للأستاذ أحمد التوفيق، ولم أزد عليها أو أنقص حرفا واحدا.
[تعقيب]
أبو سلمى الإلغي قام بالتعقيب:
إذن يجب أن يكون إسم المدونة “مدونة أحمد توفيق” و ليس مدونة خالد مربو لأن كلامك لا يفصح عن كونك مقتبسا بل كاتبا يتحدث عن مشاهداته و ما عايشه خاصة و نحن نلمس أسلوبك المتميز بين ثنايا السطور و أستبعد أن يصل توفيق إلى هذا المستوى البديع و شكرا على ردك و اهتمامك .
[تعقيب]
أرض الوثائقيات | 31 يوليو، 2011 الساعة 06:55 #
أعجبتني مقالتك
[تعقيب]