تحية طيبة ومعذرة على طول الغياب،
أتيحت لي مؤخرا فرصة زيارة العاصمة الكورية سيول بعد زيارتي الأخيرة إلى سنغافورة في الأشهر المنصرمة.
هذه الزيارة هي كذلك فرصة ذهبية للتعرف عن قرب على إحدى أعرق وأقوى ثقافات الشرق الأقصى..
.
لا أبالغ إن قلت أن جانبا كبيرا من الشباب من جميع أرجاء العالم على اطلاع مباشر على الثقافة الكورية قد يصل درجة الهوس في معظم الأحيان، من خلال الإنتاجات الدرامية والفنية عموما والتي وضعت لنفسها موطئ قدم على الساحة الثقافية الدولية. ولا أبالغ كذلك إن قلت أن الأغلبية المطلقة اليوم تستخدم على الأقل منتجا من صناعة كورية.. لكنني لست هنا لأتحدث عن الثقافة أو عن الإلكترونيات..
كل شيء يبدو مختلفا في كوريا، فمنذ الوهلة الأولى في المطار يمكن للمرء أن يشاهد مظاهر التطور والحضارة في كل مكان، والغريب هنا ليس التطور ومظاهره بل الطابع والسمة التي تغلب عليه، أقصد أن المرء تعود أن يقرن مظاهر الحضارة تلك بالغرب ويتخيل أن كوريا أو غيرها لن ينهضوا إلا بتقليد الأنماط السائدة تقليدا اتباعيا، لكن الحاصل في الواقع أن هناك بالفعل نوعا من التقليد لكنه نوع من التقليد الإبداعي إن صح التعبير، ومكمن التميز هنا هو درجة الإبداع والإبتكار التي تصل إلى مستويات يستحيل معها تمييز المقلِّد عن المقلَّد..
الاعتزاز باللغة إلى درجة التعصب حاضر وبقوة، قليل من يتقن الإنجليزية حتى في رحاب جامعة عريقة كجامعة كوريا، السبب الرئيسي في نظري المتواضع هو توفر كل شيء باللغة الكورية، مئات الأفلام والمسلسلات والقنوات التلفزية بمختلف البرامج المتنوعة، ناهيك عن الكم الهائل من المعرفة المترجم والمنتج بنفس اللغة، ما يسهل على المتقن للغة الوصول إلى ما يريد دون أدنى صعوبة ولا حاجة إلى بذل الجهد في تعلم لغة أخرى..
اللطف والطيبوبة صفتان لاحظتهما عند كثير من الكوريين، لا أدري ربما قد لا تكون العينة التي تعاملت معها تمثل المجتمع كله، لكن ما لاحظته وعايشته يستحق الذكر والإشادة به..
لم يفتني كذلك استغلال الفرصة لزيارة المسجد الوحيد في العاصمة وهو كذلك المركز الإسلامي المركزي بسيول، وهناك قابلت “أحمد”، شاب كوري حديث العهد بالإسلام حدثني عن قصة إسلامه وكيف تعرف على الإسلام خلال فترة دراسته في أيرلندا، والمشاكل التي صادفها مع عائلته المسيحية، والصعوبات التي واجهها حين تخلى عن لحم الخنزير والكحول أكثر الأطعمة المفضلة في كوريا..
.
.
حين دخلت مكتبه وجدته منهمكا في ترجمة خطبة الجمعة من الكورية إلى الإنجليزية من أجل طباعتها وتوزيعها على المصلين..
سألته عن حال المسلمين في كوريا، فأخبرني أن الإحصائيات الرسمية تقول أنهم لا يتجاوزون ال30 ألف في مقابل حوالي 15 مليون مسيحي وهو ما يجعل كوريا دولة مسيحية بالأغلبية العددية، كما أن عدد المعتنقين الجدد قارب المئة خلال السنة الماضية.. سألته كذلك عن مشاهد كنت قد رأيتها لدى دخولي المسجد لصلاة الظهر والعصر حيث رأيت بعضا من الزوار من غير المسلمين جاؤوا يلتقطون صورا قرب المسجد، وعن حادث مؤسف عاينته لشاب مسلم مع الأسف جاء رفقة فتاة كورية غير مسلمة أدخلها إلى مصلى الرجال، وهو أمر استنكره وقال أنه غير مقبول، فأشرت عليه بوضع إشارات على الباب تمنع دخول غير المسلمين إلى المصلى.
صادفت بعضا من العرب والمغاربة، لكن لم يكن لي معهم نقاش جدي ولا حتى استفدت منهم شيئا.. ولا أزال أتطلع إلى لقاء أحد السكان المحليين ومحاورته لمعرفة المزيد عن الثقافة الكورية..
وأنا أتحدث عن المظاهر السائدة في المجتمع الكوري لا يفوتني هنا أن أشير إلى إحدى أعمق المشاكل التي يعيشها المجتمع وهي سيادة ثقافة المظاهر والجمال الخارجي، فالفتاة إن رغبت في الزواج أو العمل وجب عليها إجراء عملية تجميل، وعمليات تكبير العينين صارت روتينية في بلد يصنف على أنه الأعلى في العالم من حيث نسبة من أجروا عمليات تجميلية.. بالفعل يصادف المرء في الشارع مقدارا كبيرا من الجمال الأنثوي، ولكنه كله مع الأسف جمال زائف ومصطنع .. ما ترك في المجتمع اختلالات كثيرة أدت إلى ظهور أمراض نفسية، تظهر أعراضها على الفتيات في سن مبكرة وتشتد في المرحلة الثانوية ما يدفع الكثيرات للإنتحار أو الإكتئاب..
دعوني أتوقف هنا على أمل التدوين مجددا في حال صادفت كوريا أحاوره فأعرف منه أكثر عن الثقافة الكورية والمجتمع الكوري.







سعد بلفقيه | 27 فبراير، 2012 الساعة 08:14 #
استمتعت بقراءة هده التدوينة اخي خالد , اتمنى ان تكون استمتعت برحلتك ايضا .
في انتظار المزيد عن الثقافة الكورية
[تعقيب]
خالد مربو قام بالتعقيب:
مرحبا بك أخي سعد
شكرا على المرور..
[تعقيب]