3 سبتمبر، 2011  |  بقلم: خالد مربو  |  التصنيف: Featured, يوميات طالب في ماليزيا

قبل أسبوعين بالضبط، كنت قد بدأت أنسى مفهوم الراحة والنوم، غارقا حتى الأذنين في العمل على تكليف (assignment) لمادة المعالجات والمتحكمات الإلكترونية الدقيقة ويقضي بتصميم نظام إلكتروني مبرمج بإستخدام رقاقة إلكترونية للتحكم في سرعة مروحة حسب درجة الحرارة وإظهار نتائج ذلك على شاشة إلكترونية.

كنت في قمة التوتر والإرهاق، خاصة وأنه من المفروض أن يكون عملا جماعيا نشتغل عليه لأزيد من شهر، وقد قمنا بالفعل بتفريق المهام في الفريق، إلا أن الحاصل هو أن البقية لم يقوموا بشيء، فصار لزاما علي التدخل بحل استعجالي للتغطية على البقية وإن لم أفعل غرقنا جميعا..

قضيت أياما لا أنام إلا سويعات، وحتى العشر الأواخر لم أستطع الإستفادة منها كما خططت ..

.

.

في النهاية وبعد أخذ ورد وتعب وسهر، وبنفسية أتعبها التفكير والضغط، كان من الواضح أن المهمة يستحيل على شخص واحد إنجازها ولم أجد بديلا سوى تقديم جهاز غير مكتمل كآخر فرصة لتجنب مرارة الفشل.

هل أنا في موضوع خاطئ؟ أم أن خالد أخطأ في اختيار العنوان؟

هي فقط تفاصيل لا بد منها تمهد للموضوع الرئيسي :) ، فدعوني أكمل ..

أخيرا انتهيت من كل هذه المشاغل، وبقي يومان للعيد، وحان موعد سفري لقضاء أول عيد في عمق البادية الماليزية مع عائلة أحد الأصدقاء. وهو رابع عيد لي في ماليزيا، بل دعونا نقل أنه أول عيد فعلي في ماليزيا أما الأعياد التي قبله فلم تكن سوى أياما عادية بالنسبة لي وبالنسبة لغالبية الطلبة العرب هنا، باستثناء قلة قليلة تحتفل بالعيد جزئيا في الجامعة.

على كل حال، قررت أن أستغل وجودي هنا وحاجتي إلى تغيير الجو والترويح عن النفس للإطلاع على عادات المجتمع الماليزي في الإحتفال بالعيد.

فاتجهت آخر أحد في رمضان إلى الجنوب وبالضبط إلى إحدى قرى ولاية جوهور، وهناك في محطة الحافلات وجدت في انتظاري صديقي الماليزي عزمي، ومعرفتي بعزمي تمتد إلى أزيد من سنة مذ كنت متواجدا في ملاكا، ومنذ ذلك الحين ونحن نتبادل الزيارات ونلتقي من حين لآخر، عزمي شاب ماليزي يكبرني ببضع سنوات، تخرج لتوه من نفس الجامعة التي أدرس بها في تخصص الإقتصاد والتسيير، وهو ينحدر من عائلة ماليزية محافظة وميسورة الحال.

بعد تبادل التحية انطلقنا بسيارته نحو المنزل، وتوقفنا مؤقتا في المحل الذي يعتبر مصدر رزق العائلة، وهو محل مواد عامة متواضعة إلى درجة أن من يراه يحتقره، يقع في تقاطع الطريق السيار ومدخل القرية المكونة من شارع رئيسي واحد. وهو المحل الوحيد في المنطقة ما يجعله في موقع استراتيجي مميز.

المحل عبارة عن بيت صفيحي صدئ في معظم جوانبه، له باب خشبي قديم وفي داخله بيت صغير يضم مطبخا وحماما وغرفة نوم وغرفة جلوس مجهزة بالضروريات. يتناوب على العمل فيه أفراد العائلة، وعزمي ‘موظف’ رئيسي فيه منذ تخرجه.

جلسنا وقد اقترب موعد الإفطار على طاولة جمعت صنوفا شتى من الأكل الماليزي جيء بها من طرف أحد الجيران في إطار عادة تبادل طعام الإفطار تناوبا بين سكان القرية.

أذن المؤذن وبدأت أنا وعزمي ووالدته والقطط تجري بين أقدامنا، وهو أمر عادي في البوادي، في تناول الإفطار ثم خرجنا لصلاة المغرب في المسجد المقابل للمحل.

.

.

بعدها عدت إلى المحل وجلست أتفرج في وثائقي ماليزي عن الإسلام في دول الإتحاد السوفيتي السابق، وهو بالمناسبة برنامج قيم ويستحق المشاهدة. في انتظار آذان العشاء في حين انهمك عزمي في خدمة الزبناء في المحل.

توجهنا إلى المسجد لأداء صلاة العشاء ثم آخر صلاة تراويح، والتي كانت صلاة تراويح على الطراز الماليزي القروي حيث يصلي الإمام بقصار السور وبسرعة تماما كما هو الحال في البوادي المغربية، أو على الأقل التي رأيت في الجنوب.

وهناك كذلك التقيت بفريد، صديق آخر تعرفت عليه منذ مدة عن طريق عزمي، والذي جاء إلى الصلاة بلباس ماليزي كامل وأنيق.

بعد الصلاة عدت إلى المحل وانهمك عزمي مجددا في خدمة الزبناء بينما تناولت الحاسوب المحمول وبدأت في العمل على البحث الذي تحدثت عنه في الموضوع السابق..

اقترب منتصف الليل فدخل عزمي من المحل ودعاني إلى مرافقته إلى البيت أخيرا، فركبنا السيارة وتوجهنا نحو البيت الذي لا يبعد سوى بأقل من كيلومتر عن المحل.

منزل عزمي عبارة عن نسخة حديثة من الطراز التقليدي الماليزي، بيت ذو طابق واحد أنيق وفاخر الأثاث، أمام حديقته الخارجية سيارتا مرسديس بالإضافة إلى بضع سيارات أخرى ماليزية الصنع.

دخلنا البيت ثم توجهنا مباشرة نحو غرفته حيث استرحنا قليلا قبل أن نخرج رفقة فريد الذي يسكن في مكان بعيد نسبيا ضمن نفس القرية، ونتجه صوب مطعم ماليزي لتناول طعام العشاء، وهناك وجدنا أصدقاء عزمي وهم طلاب رأيت فيهم ملامح الماليزيين لكنني استغربت حديثهم بالإنجليزية بدل الماليزية مع عزمي وفريد، واستغربت أكثر حين سمعتهم يتحدثون مع بعضهم بلهجة سعودية فصيحة، أمر غريب لم أتعوده، ليتضح فيما بعد أنهم طلاب في الجامعة هناك، وهم من أصل تايلاندي لكنهم كانوا مقيمين منذ الولادة في مكة المكرمة.

كان الجميع منهمكا في مشاهدة مباراة الأرسنال والمانشستر، والماليزيون يعشقون المانشستر عشقا لا حدود له، بالرغم من إفتاء أحد علمائهم بحرمة تعليق شعاراتهم الشيطانية وارتداء قمصانهم.

لم أكن في البدء راغبا في متابعة المباراة إلا أن إيقاعها سرعان ما لفت إنتباهي وأبعد اهتمامي عن جهاز الآيباد الذي استعرته من فريد لأقرأ فيه بريدي الإلكتروني.

التفتت لأجد الشماخ على وشك الدخول للمباراة والنتيجة لا تبشر بخير من جهة الأرسنال، هزيمتهم كانت ساحقة ومذلة. والمطعم يضج بالضحكات والتعليقات الساخرة من نتيجة المباراة، وأحد أصدقاء عزمي التايلانديين الذي كان يشجع المانشستر، تملكه الضحك وخاطب عزمي مازحا: “أشعر بالسوء حيال ما يحصل للأرسنال، فقدوا كرامتهم ..”

سرعان ما انتهينا من تناول العشاء ومشاهدة المباراة، ثم توجهنا نحو “البازار” السوق الليلي الماليزي الذي يقام خصيصا في رمضان. ويمتد إلى ساعات متأخرة جدا حين يقترب العيد، لم ندخل السوق لاكتظاظه واكتفينا بجولة شرفية حوله بالسيارة لنعود إلى البيت ونخلد إلى النوم بعد يوم مضن.

استيقظت على صوت عزمي يناديني لطعام السحور، وعلى الرغم من أنني على دراية تامة بتقاليد الماليزيين المتفتحة في الإختلاط العائلية وحتى مع الأجانب في البيت، إلا أنني أحرص دائما على أخذ الإذن وانتظاره قبل الذهاب إلى أي مكان..

توجهت نحو المطبخ مع عزمي حيث وجدت والديه وبعضا من أبناء وبنات إخوته، يتسحرون، ولم يجدوا حرجا في تواجدي هناك بل أنني ربما الوحيد الذي يرى الأمر نوعا ما غريبا. وبعد صلاة الفجر في المسجد، عدت إلى النوم وأمعنت في الإسترسال حتى منتصف النهار لأعوض بعض التعب الذي راكمته أيام الدراسة والسفر، بينما استيقظ عزمي باكرا وتوجه نحو المحل.

لأستيقظ وأخرج مع فريد الذي جاء بسيارته الجديدة لنتجول خارجا، وبعد عودتنا استعرت منه الآيباد مجددا وهذه المرة كنت أود الحديث مع العائلة عبر السكايب، لأنه لم يتسنى لي ذلك منذ مدة، غير أن مشاغل حالت دون ذلك.

أفطرت مع عزمي وأمه وابن أخته في المحل مجددا، بأكلة ماليزية خاصة بالعيد وهو أرز مطحون كالعجينة وموضوع في وعاء تقليدي خاص. لنتوجه مجددا نحو المسجد للصلاة وأعود إلى البيت بمفردي عساني أجد فرصة للحديث مع الأهل، إلا أن ذلك لم يتيسر مجددا لخلل في شبكة الأنترنيت فاكتفيت بالعمل على البحث مجددا، في غرفة الجلوس، وأفراد العائلة لا يكادون يبالون أو يهتمون لتواجدي سواء منهم البنات أو حتى الأولاد، ولحد الآن وفي كل البيوت التقليدية الماليزية التي زرت في مختلف أرجاء ماليزيا، مفهوم الحجاب عند الماليزيات اللواتي رأيت يقتصر على ما خارج البيت أما في داخله فإن الحرج يرفع وينزعن الحجاب.

في النهاية، عاد عزمي من العمل فخرجنا للعشاء مجددا مع فريد بعد العودة، وقد كانت ليلة العيد، تأخرنا في السهر لانشغال عزمي بأشغال منزلية ساعدته في بعضها، وما أثار دهشتي هو أن لديه من بنات أخواته الكثير لكنه وحده من يساعد أمه أساسا في الأعمال المنزلية.

ثم أشرقت شمس يوم العيد، الذي كان يوما حافلا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عساني أجد وقتا للحديث عنه قريبا بحول الله، فإلى لقاء قريب ..

http://www.khalidmarbou.com/Blog/wp-content/uploads/2011/09/selamat-hari-raya-001.gif
مجموع المشاهدات: 907

شارك عن طريق الفايسبوك:

7 تعليقات حتى الآن | شاركنا بتعليقك!

  1. نسيم الفجر  |  3 سبتمبر، 2011 الساعة 04:22 #

    مبارك العواشر من المغرب!!
    توحشنا إطلالتك، سلم على فريد و عزمي وجميع الماليزيين

    وا سعداتك :) الرواج عندكم في ماليزيا!!! موفق بإذن الله

    [تعقيب]

    خالد مربو قام بالتعقيب:

    الله يبارك فيك أخي
    مبلغ ان شاء الله

    [تعقيب]

    نسيم الفجر - Gravatar
  2. الطيب الديوان  |  3 سبتمبر، 2011 الساعة 12:37 #

    عيد مبارك سعيد تحية لك أخي خالد مواضعك شيقة والله

    [تعقيب]

    خالد مربو قام بالتعقيب:

    حفظك الله ورعاك أخي الطيب، شكرا على المرور

    [تعقيب]

    الطيب الديوان - Gravatar
  3. ملك الوتائقيات  |  6 سبتمبر، 2011 الساعة 07:40 #

    الله ابارك فيك مغربي حر

    [تعقيب]

    خالد مربو قام بالتعقيب:

    شكرا على مروركم
    تحياتي

    [تعقيب]

    ملك الوتائقيات - Gravatar
  4. az.jones  |  23 نوفمبر، 2011 الساعة 05:46 #

    to be continued …………..

    [تعقيب]

    az.jones - Gravatar

:اترك تعليقاً

*